إيران والاخوان المسلمين ، دراسة في عوامل الالتقاء والافتراق
المؤلف : عباس خامه يار
عدد الصفحات : 286 الطبعة الأولى : 1997م
الناشر : مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق
يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت في بابه وأندرها ؛ حيث يبحث تلك العلاقة الشائكة والخفية بين جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وبين جمهورية إيران الإسلامية في مرحلة التأسيس للثورة الخمينية ما قبل انتصارها سنة 1979م والحقبة التاريخية التي تلتها ، الكتاب الذي ألفه الباحث الإيراني عباس خامه يار هو في الأصل عبارة عن أطروحة ماجستير قدمها في جامعة طهران .
الإشكالية في تلك العلاقة تبدأ ولا تنتهي من حيثيات متعددة لعل من أبرزها أن هوية جماعة الإخوان المسلمين هي هوية سنية على مستوى البنية العقائدية ومع ذلك فقد كانت تتمتع بعلاقة جيدة وحيوية مع أبرز المراجع الشيعية آنذاك على الأقل على مستوى المركز أي الجماعة الأم في مصر ، ولعل أبرز ما ساهم في إنجاح تلك العلاقة أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا كان أحد أهم الناشطين في لجان التقريب بين السنة والشيعة ، ولاحقاً جرت مياه الساقية بخلاف ما كان يخطط له وضعفت تلك العلاقة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بالرغم من أن الجماعة كانت من أكثر المؤيدين للثورة الخمينية ، والآن ثمة بوادر كثيرة لإعادة ذلك التقارب التاريخي إلى حيويته السابقة وذلك عبر بوابة ” حماس ” التي ترى في النظام الإيراني ” المخلص ” من مأزق الحصار السياسي والاقتصادي في ظل عدم رغبتها للتنازل عن ايدلوجيتها التي باتت تشكل عائقاً في نظر الحكومات الغربية وحجر عثرة أمام مفاوضات التطبيع والحل الشامل الذي بات قناعة العديد من الدول العربية .
يتكون الكتاب من فصول أربعة :
الأول : يتناول قضية الأصولية والصحوة الإسلامية في العصر الحديث ، بينما يتطرق في الفصل الثاني لشيء من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ، ويركز الفصل الثالث على أهم نقاط الفصل والوصل بين الجماعة وبين جمهورية إيران الإسلامية .
أهمية مصر لإيران
اللافت في الكتاب هو أن المؤلف حاول أن يجعل من تلك العلاقة الغريبة والتي لا تبدو منطقية في ظل الخلاف العقائدي علاقة طبيعية بل حتمية فأخذ يعقد المقارنات التاريخية والجغرافية والحضارية والثقافية بين إيران ، وبين مصر ، فمن وجهة نظره أن إيران كما هي مركز القوة في العالم الشيعي، فإن مصر هي مركز القوة في العالم السني ، لما يشكله كلا البلدين من ثقل سكاني وإرث حضاري وموقع جغرافي متميز، مما جعل المؤلف يستشهد بتصريحات العديد ممن تشيعوا من المصريين ومنهم شخص لقبه ” الشناوي ” تحدث عن أن انطلاق إيران كقوة عالمية لا تضاهى مرهون بمدى قبولها ونجاحها في التغلغل للداخل المصري .
نقاط الفصل والوصل
يحاول المؤلف بعد أن مهد لأوجه التشابه بين مكانة وثقل وتاريخ كل من مصر وإيران أن يؤسس لأوجه التقاطع بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الثورة الخمينية والتي تجعلهما يشتركان في كثير من القضايا ، وأبرز نقاط الالتقاء تكمن في : الإيمان بالفكرة الوحدوية ، الموقف المشترك من أغلب القضايا القومية ، الموقف المتطابق من القضية الفلسطينية ، ففي إطار الفكر الوحدي فإن الإخوان لا يحملون موقفاً مضاداً للتشيع كالحركات السلفية وفي هذا السياق يستشهد المؤلف بأقوال العديد من قادة الإخوان وعلى رأسهم المؤسس حسن البنا مفادها التسامح مع التشيع واعتبار أنه من الخلاف في الفروع وهو التسامح ذاته الذي يحاول أن يفتش عنه المؤلف بعناء في الضفة الشيعية مستشهداً ببعض تصريحات الخميني أو مواقفه كتقديم المساعدة والدعم لبعض الهيئات السنة أو تغيير بعض المناهج الدراسية الخاصة بأهل السنة ..الخ وكان حديث المؤلف عن هذه الجهود أشبه باستغفال القارئ منه إلى قول الحقيقة بشكل موضوعي .
نقد القومية هو أيضاً عامل مشترك بين الإخوان وإيران من وجهة نظر المؤلف ؛ فهي سبب سقوط الخلافة الإسلامية وضياع فلسطين وأيضاً هي من دعمت نظام الشاهنشاه كما مهدت الطريق للأفكار الغربية لتتخذ طريقها إلى الجسد الإسلامي كالاشتراكية الملحدة ، لكن المؤلف يعود فينتقد سلبية الإخوان تجاه نظام صدام حسين في حربه على إيران وفي نفس الوقت ينتقد الإخوان الاعتزاز القومي لدى إيران بفارسيتها وهو الأمر الذي يحاول المؤلف الدفاع عنه بضراوة مستشهداً بأن الثورة الإسلامية بذلت الكثير لكي تحسن صورة العرب والمسلمين في مقابل محاربتها لكافة أشكال التعصب للقومية الفارسية .
ولعل أكثر ما أفاض فيه المؤلف في بيان نقاط الالتقاء بين الإخوان وإيران هو الموقف شبه المتطابق بينهما في القضية الفلسطينية لكنه تجاهل الدعم الإيراني للحركات الشيعية في سوريا ولبنان ، فحركة أمل التي قامت بمجازر دامية بحق الفلسطينين في كارثة المخيمات عام 85م كانت مدعومة بشكل مطلق من النظام الإيراني ، هذا إضافة إلى كل ما يقال عن العلاقة السرية بين إيران وإسرائيل فيما عرف بـمرحلة ” إيران غيت” إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980ـ 1988م)
نقاط الافتراق
في هذا المبحث من الكتاب يتحدث المؤلف باستفاضة عن نقاط الاختلاف بين الإخوان وإيران سواء على مستوى الخلاف العقائدي والفكري أو حتى السياسي ، فعقيدة “الإمامة” الشيعية ونظرتها إلى شكل الحكومة أمر لا يمكن المساس به من قبل النظام الإيراني ؛ ومن هنا لا يمكن اختراق دولة المهدي المنتظر من قبل أي تنظيم أو جماعة مهما كانت أهدافها نبيلة أو ذات طابع إسلامي ، ومن هنا أخذ المؤلف يستشهد بالعديد من النصوص لقيادات الإخوان حول شرعنة القبول بالوضع القائم كما هو دون أي نزعات ثورية لتغييره فالإخوان من وجهة نظره لا يختلفون عن باقي الحركات السنية في التصالح مع الحاكم الجائر خوف الفتنة .
من جهة ثانية تحدث المؤلف في بيان أوجه الافتراق بين الجماعة وإيران هو الموقف من المعسكر الشرقي والغربي أو بشكل أكثر تحديداً من الرأسمالية والشيوعية ؛ فالإخوان يعتبرون “الشيوعية” أكثر خطراً من “الرأسمالية” لذا كانت أقرب إلى الولايات المتحدة وبريطانيا منها إلى الإتحاد السوفيتي وذلك لأن الماركسية كفكرة هي فكرة إلحادية بالأساس من وجهة نظر الجماعة إضافة إلى أن التاريخ الدموي والقاسي بالنسبة للإخوان كان مسطراً بأنامل اشتراكية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر الحليف الأكبر للاتحاد السوفيتي آنذاك وهو الأمر الذي حصل لكل من إخوان العراق وسوريا ، كما رسخ هذا الاعتقاد من قبل الإخوان اعتقادهم أن هزيمة عام 1967م كانت نتيجة لخيانة ومؤامرة الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي وتعاونهم مع إسرائيل ، وزاد الطين بلة الاحتلال السوفيتي لدولة أفغانستان المسلمة .
لكن نظرة الإخوان إلى المعسكر الغربي كانت أقل حدة فالتركيز دائماً على الجوانب الأخلاقية والثقافية دون العقائدية فالغرب المسيحي على الأقل من أهل الكتاب وليس ملحداً لكن هذا الموقف تبدل لاحقاً من وجهة نظر المؤلف بعد سقوط الشيوعية حيث أصبحت أمريكا الآن هي الخطر الأول في العالم ويستشهد المؤلف في هذا السياق بالتعاون والتحالف الآن بين الإخوان وبين جماعات وأحزاب يسارية إضافة إلى الإشادة بأنظمة ذات طابع يساري كفنزويلا .
في الجانب الإيراني يرى المؤلف أن نظرة الخميني للشيوعية والرأسمالية كانت مختلفة فالإيرانيون يعتبرون أن خطورة المعسكر الغربي أكبر بمراحل من الخطر الشيوعي ويعلل ذلك بوقوع إيران سابقاً تحت سيطرة الاستعمار الغربي من خلال الدعم اللامحدود من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا لنظام الشاه في قمعه للحركات الشيعية الإيرانية بل ذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك حيث رأى أن الخميني كان يقدم الأعذار تلو الأعذار للمعسكر الشرقي حتى إنه اعتبر أن مواقف الأحزاب الشيوعية في إيران هو دعم للمعسكر الغربي والمصالح الولايات المتحدة وأن ارتباطهم بالإتحاد السوفيتي هو ارتباط وهمي وظاهري فقط !
الاختلاف الإصلاحي
وفي هذا المبحث يرى المؤلف أن أهم أسباب الإخلاف بين الإخوان ورؤية الحركة الإسلامية الإيرانية هو الاختلاف في الإصلاح وطريقة التغيير بين الثورية الإيرانية وبين المحافظة الإخوانية ؛ فالإخوان من وجهة نظره لم يكونوا يوماً ما حركة انقلابية بل قامت حركتهم على أساس التغيير التربوي من خلال تحويل السلوكيات غير الإسلامية لأفراد المجتمع وهي ما بات يعرف لاحقاً بأساليب العمل السلمي ، أما الحركة الإسلامية الإيرانية فإنها لم تزل تسخر من ذلك الأسلوب الإصلاحي الذي لم يقدم شيئاً يذكر بعد قرابة القرن على انطلاقه وهنا يورد المؤلف تساؤله على لسان الذهنية الإيرانية أليس ذلك ثمناً باهضاً أن يمضي كل هذا الوقت الطويل على حركة الإخوان دون أن تغير الحكومات وتكتفي بخلق قاعدة جماهيرية عريضة .
الاختلاف على المكاسب السياسية
وفي هذا المبحث يتحدث المؤلف باستفاضة عن أبرز نقاط الاختلاف في شقها السياسي فهو يرى أن الإخوان غير راضين عن الفترة الذهبية التي عاشها الشيعة بعد نجاح الثورة الذي أعطاهم دفعة معنوية وتطلعات تفوق حجم مواقعهم وتمثيلاتهم داخل البلدان السنية ، كما ينتقد الإخوان بضراوة موجات التبشير الشيعي في أوساط المجتمعات السنية ، وفي ذات السياق تنتقد الجماعة الصراعات الداخلية في إيران وكل ما تتعرض له الأقلية السنية هناك ويرى المؤلف هنا أن الإخوان تأثروا بالدعاية السنية للإعلام الحكومي العربي الموجه ضد إيران وبسيل الإصدارات والكتب السنية التي تهاجم الشيعة لكنه يعود فيراهن ثانية على العلاقة التاريخية التي يمكن أن يعود أوراها عبر ما ستقدمه الأوضاع المأزومة في العالم الإسلامي والذي يمكن أن تستغله إيران لصالحها وعبر شعارات معادية للغرب وللولايات المتحدة .
المؤلف : عباس خامه يار
عدد الصفحات : 286 الطبعة الأولى : 1997م
الناشر : مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق
يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت في بابه وأندرها ؛ حيث يبحث تلك العلاقة الشائكة والخفية بين جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وبين جمهورية إيران الإسلامية في مرحلة التأسيس للثورة الخمينية ما قبل انتصارها سنة 1979م والحقبة التاريخية التي تلتها ، الكتاب الذي ألفه الباحث الإيراني عباس خامه يار هو في الأصل عبارة عن أطروحة ماجستير قدمها في جامعة طهران .
الإشكالية في تلك العلاقة تبدأ ولا تنتهي من حيثيات متعددة لعل من أبرزها أن هوية جماعة الإخوان المسلمين هي هوية سنية على مستوى البنية العقائدية ومع ذلك فقد كانت تتمتع بعلاقة جيدة وحيوية مع أبرز المراجع الشيعية آنذاك على الأقل على مستوى المركز أي الجماعة الأم في مصر ، ولعل أبرز ما ساهم في إنجاح تلك العلاقة أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا كان أحد أهم الناشطين في لجان التقريب بين السنة والشيعة ، ولاحقاً جرت مياه الساقية بخلاف ما كان يخطط له وضعفت تلك العلاقة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بالرغم من أن الجماعة كانت من أكثر المؤيدين للثورة الخمينية ، والآن ثمة بوادر كثيرة لإعادة ذلك التقارب التاريخي إلى حيويته السابقة وذلك عبر بوابة ” حماس ” التي ترى في النظام الإيراني ” المخلص ” من مأزق الحصار السياسي والاقتصادي في ظل عدم رغبتها للتنازل عن ايدلوجيتها التي باتت تشكل عائقاً في نظر الحكومات الغربية وحجر عثرة أمام مفاوضات التطبيع والحل الشامل الذي بات قناعة العديد من الدول العربية .
إقرأ المزيد .. »