السبت, 04 سبتمبر 2010

يوسف الديني
في كتابه المثير «رحلة الأمير التائه من مدينة بيشاور إلى طنجة المغربية» الذي يتحدث فيه الصحافي المغربي إدريس الكنبوري عن أحد الشبان المعتقلين على ذمة قضايا الإرهاب والارتباط بتنظيم القاعدة، واسمه روبير ريشار أنطوان أو «أمير» كما هو لقبه الحركي، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد كان اللافت للانتباه أن هذا الشاب الفرنسي النشأة والثقافة، والذي لا يتحدث العربية كان كثير الذكر لمسألة (الولاء والبراء) كأحد المحفزات الفكرية التي جعلته يؤمن بأفكار التطرف وفق منظومة القاعدة الأيديولوجية.

هذا المثال المفزع لشاب هجر ما نشأ عليه لينتقل وهو عقل خام إلى منظومة فكرية جديدة ومغايرة يعيد إلى الأذهان السؤال القديم الجديد حول خطورة التوظيف الأيديولوجي للأفكار الدينية في الحرب الفوضوية التي تقودها جماعات التطرف مستعينة بماكينة ضخمة من الإعلام المرئي والمكتوب والمنشور على شبكة الإنترنت.

مثل هذا الاستقطاب بأفكار مفخخة استلهمت بعض الأطروحات المغالية في التراث هو الملف الأكثر غموضاً وسرية عند من يقارب الخطوط العريضة لعقل التكفير والتفجير.

إقرأ المزيد .. »

يوسف الديني

قبيل سنتين هاتفني شاب هولندي يحضّر الدراسات العليا في الإسلاميات قد خصص رسالته الأكاديمية لنيل الدكتوراه عن فكر أبي محمد المقدسي الاسم الأشهر في تيار ما عرف بالسلفية الجهادية والأب الروحي للزرقاوي وتيار عريض من تنظيم القاعدة والجماعات العنفية التي تبنت خيار العمل المسلح. لم أكن مندهشاً من أن تحاول مراكز أبحاث علمية عريقة وجامعات محترمة أن تبحث بعلمية حثيثة عن مسألة الإرهاب بشكل تشريحي يحاول فهم الظاهرة وقراءتها بشكل معمّق وليس فقط من باب الإدانة أو الاكتفاء بتصوير هذا الفكر على أنه مجرد مؤامرة دخيلة أو حماسة غير مبررة.في حوار للباحثة المرموقة كارين آرامسترونغ اعتبرت أن ملهم الفكر الأصولي في العصر الحديث هو سيد قطب، إلا أن من مزج هذا الفكر بنكهة جهادية متطرفة هو أبومحمد المقدسي عبر تطويعه للنصوص والاقتباسات لرموز المدرسة السلفية لتأييد أفكاره الخاصة عن واقع اليوم بدءاً، من الموقف من القتال في مناطق التوتر، ووصولاً إلى تكفير الدول الإسلامية والعمل فيها والدراسة في مدارسها، بل والهجوم على جماعات أخرى ذات صبغة إسلامية لمجرد الاختلاف معها كما في فتواه الشهيرة بكفر قادة «حماس» وعدم جواز دفع الزكاة لهم.

إقرأ المزيد .. »

مفهوم «الولاء والبراء» و«التكفير» حوّل مسائل عقائدية شائكة ذات صبغة سياسية إلى شعارات براقة
السبت, 21 أغسطس 2010
يوسف الديني
لا شك أن فكرة المراجعات الفكرية ليست وليدة هذه المرحلة التي تعصف بالحالة الإسلامية خطاباً ومرجعيات ومتلقين، ففكرة إعادة النظر والاجتهاد والتأمل المتجدد في النصوص الشرعية والتراث الذي خلفته لنا المدارس العقائدية والفقهية الكبرى ليست بالأمر الجديد أو المثير لأنها جزء من الاجتهاد المطلوب شرعاً.
لكن اللافت في ما يسمى بمراجعات العنف والتطرف والتي تقدمها شخصيات بارزة مرت بتحولات فكرية ومراجعات لأفكارها حول مسائل متعلقة بالتطرف والعمل المسلح وقضايا عقائدية وفقهية ذات صبغة سياسية، مثل هذه المراجعات كانت ولا تزال محل ارتياب وأخذ ورد وجدل بسبب دوافعها ونتائجها وآثارها على المتلقين لاسيما أن كثيراً منها يبدو كالتراجع المعنوي أكثر من كونها تقدم قراءات جديدة يمكن أن يكون لها تأثيرها على واقع التطرف والغلو في خطاب جماعات الإرهاب والعنف المسلح.
مراجعات تفصيلية
مراجعات أستاذ العقيدة المتخصص الشيخ عبدالعزيز الحميدي لا تبدو كتلك المراجعات العابرة لأسباب كثيرة تتعلق في تخصص الشيخ وسابقته في العلم الشرعي ومؤلفاته التي يمكن لأي باحث أن يرى فيها المتانة العلمية، إضافة إلى أن مراجعاته التي بدأها بحديث مطول عن مسائل حساسة تتصل بموضوع الولاء والبراء والموقف من غير المسلمين في البلدان الإسلامية ومسألة ضوابط النصرة.. (إلخ) كل هذه المراجعات التي بثت منها الحلقة الثانية أمس تبدو مليئة بالتفاصيل المهمة والتفريعات الدقيقة التي تلامس شغف طلبة العلم الشرعي وتحاول أن تجيب بصراحة ووضوح حول تساؤلاتهم في هذه الملفات الشائكة.
تميز هذه المراجعات جاء من خلفية الدكتور الحميدي المتخصصة التي أتاحت له مناقشة الأدلة بشكل تفصيلي كما استطاع أن يعرج على أبرز الإشكالات التي يتم طرحها عادة في ملف الولاء والبراء وهو الشعار الأكثر استخداماً من قبل جماعات التطرف والغلو لما له من تأثير كبير بسبب تعقيده وتفاصيله على تبني رؤية هجومية تجاه غير المسلمين بدعوى النصرة والجهاد.
ضوابط مفهوم الولاء والبراء
يقرر الدكتور الحميدي في استكماله لضوابط مفهوم الولاء والبراء الأصل في العام في المسلم وهو نصرة أخيه المسلم ضد من يعتدي عليه حتى لو كان الاعتداء من طائفة مسلمة كما جاء في القرآن الكريم، إلا أنه يستثني من ذلك وجود معاهدة مع أمة غير مسلمة بسبب المصلحة وترجح بقاء هذه المعاهدة أياً كان طرفها الآخر، فإن وقوع الاعتداء أو الخصومة مع طائفة مسلمة أخرى لا يلزم منه تقدم واجب النصرة على واجب الالتزام بالمعاهدة كما يعتقد الكثيرون، وهي من المسائل التي يؤكد الشيخ الحميدي أنها من المسائل المشكلة على طلبة العلم بل كانت مشكلة عليه قبل أن يتأمل الأدلة والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة فيها، حيث تبين له أن حقوق النصرة والولاء لا يقدم على حق الحفاظ على عقد العهد والأمان مع غير المسلمين مستدلاً في الآية: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، وهذا دليل صريح يعطي حكماً وحقاً على وجوب أن تحفظ الأمة المسلمة عهدها وتقدمه على واجب النصرة لتلك الأمة المسلمة المعتدى عليها من قبل الدولة التي هي عاهدتها.
عقد الأمان مقدم على مفهوم النصرة
يؤكد الشيخ عبدالعزيز الحميدي مستطرداً في تأمل الآية السابقة أنها من الآيات المحكمات والتي نزلت في فترة القوة لا الضعف فهي نزلت في أعقاب غزوة بدر أي في أعقاب النصر المؤزر الظافر الذي نصر الله ـ نبيه وأصحابه كما جاء في الآية: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) فهم الآن في موضع منعة في موضع قوة وانكسرت قريش وذلت أي كفار قريش وذلوا وأصابهم ما أصابهم من المقتلة والحزن والهم فأمرهم في نزول ورياحهم في ذهاب، وقد هبت رياح التغيير عليهم ومع ذلك تنزل تعقيبات غزوة بدر في سورة الأنفال التي ختمت بآية الولاء والبراء وهي أحد أدلة الولاء والبراء وهي آية الأنفال هي من أدلة الولاء والبراء واستثنى الله مسألة مراعاة ذات العهد وقدمه على واجب النصرة الذي هو من المتعلقات بمسألة الولاء والبراء ومن مقتضياتها.
الواقع العملي لفهم الآيات
يتابع الشيخ الحميدي شرحه وتحليله لمدلول آية الأنفال ليؤكد أن هذا الذي فهمه منها هو ما يتلاءم مع نصوص السنة النبوية العملية، فالواقع العملي في العصر النبوي يفسر مدلول الآية حيث يؤكد الشيخ الحميدي أن (سنة النبي – هي التفسير والتطبيق العملي للقرآن لأن القرآن الكريم كما يقول العلماء حمال وجوه ربما يطرقه التأويل ربما يطرقه سوء الفهم من القارئين ربما تأتيه أمور كثيرة فتأتي السنة تفصل وتبين وتشرح، وربما تخصص مطلق القرآن وربما تعمم ما خصصه ونحو ذلك، فالسنة والسيرة النبوية قيمتها العلمية أنها هي التفسير والتطبيق العملي للنص القرآني وبالتالي تكون حجتها قوية وصريحة ولا يجادل فيها إلا مكابر وهو منازع) .
مسائل حساسة تحتاج لتأمل
مثل هذا التأمل لمدلولات النصوص الشرعية الواردة في مسألة بالغة الحساسية في خطابات الجماعات المتطرفة قد يستشكل مثل موقف الشيخ الحميدي، الذي يراه أهل المغالاة انحيازاً ضد مبدأ الولاء والبراء لمصلحة عقد الأمان الذي يبرمه إمام المسلمين، وهو ما قد يفتح باب التكفير لذا يؤكد الشيخ الحميدي أن :( التكفير ليس كلمة عابرة تقال وليس حكماً من أي شخص أن يطلقه على أي مسلم عرف إسلامه بيقين ولو ظهر من أفعاله ما ربما يقع في ذهنك أنه مناقض لبعض أصول الدين مثلاً أو بعض الأحكام التي لا تحتمل النقض في الشريعة وفي الإسلام، لأن التكفير هو في الحقيقة قبل أن يكون حكم على فعل الإنسان وعمله هو حكم على باطنه، فعندما يكفر آو يكفّر شخصُ شخصاً هو في الحقيقة حكم على باطنه وعلى داخله أنه في داخلة وفي قلبه كره الإسلام، كفر بالله، خرج من الملة، أصبح من أهل النار وهذا حكم غيبي، حكم غيبي ليس لأحد حق فيه، هو حق الله ـ سبحانه وتعالى ـ وللنبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه بوحي معين يبلغه أما النبي ـ صلى الله عليه وسلم وهو النبي يتعامل مع الناس التعامل الشرعي والحكم الشرعي).
الجانب السياسي في قضايا الولاء والبراء
يحاول الشيخ الحميدي بعد استنفاذه البحث والنظر في قضية الولاء والبراء وتعارضها مع مسألة عقد الأمان والمعاهدة التي يبرمها ولي الأمر التعريج على مسألة مهمة من مسائل الإيمان وهو ما يختص بالجانب التشريعي لقضايا فقهية وعقائدية ذات صلة بالجانب السياسي أو الشؤون الخارجية للدول الإسلامية.
كما يؤكد أن الشريعة الإسلامية علقت على ولي الأمر أو الحاكم المسلم أحكاماً شرعية كثيرة يعني أمر السلم والحرب والمعاهدات والمواثيق ومن يعادى ومن لا يعادى ومن يدخل بلد المسلمين ومن لا يدخل كلها متعلقة بحقوق ولي الأمر ومعاهداته فإذا أسقط باسم التكفير أو نقض الولاء والبراء مع أنه ربما يمارس حكماً شرعياً صحيحاً لا ينقض أصل الولاء والبراء، فإذا اسقط بموجب هذا التكفير ألغيت كل هذه الأحكام تبعاً لذلك.
التغرير بشعارات عقائدية
مع وضوح الأصل في عدم جواز تكفير المعين بالشبهة لا سيما في قضايا ملتبسة كالولاء والبراء وتفاصيل السلم والحرب والمعاهدة مما لا يحسن التعامل معه إلا العلماء الراسخون فإن الشيخ الحميدي يؤكد أن أصل بلاء الجماعات المتطرفة والشباب المغرر بهم من قبلها هو استخدام شعارات الولاء والبراء كوسيلة جذابة لاستقطاب الشباب إضافة إلى رفع سلاح التكفير ضد المخالفين، إذ يؤكد أن هذه الجماعات بجانب إظهار مسألة الولاء والبراء يخلطون مع ذلك: (تكفير لحكام المسلمين في هذا البلد أو ذاك أو إضعاف ولائهم للدين أو انشغالهم بدنياهم أو ملاذهم وشهواتهم لإقناع هذا الشاب وذاك والثاني والثالث إلى التحلل من البيعة لإمامه وهجر وأرضه و بلده والالتحاق بهم، ثم إذا صار في تلك التجمعات ربما تظهر له الأهداف الحقيقية التي ربما ليس لنصرة من وظفت قضيتهم كمغناطيس للجذب نصيب منها في شيء ربما حتى تجر عليهم كوارث أكثر من ذلك، فيقع هنا متاهة عظيمة وكارثة كبيرة لأن قضية الجهاد ربما يعني نتكلم عليها في هذا الجهاد يعني الافتئات على المسلمين في إعلانه عظيمة وكبيرة ما يعلن الجهاد ولا يقوم به إلا إمام متمكن مجتمعة عليه الكلمة، عنده المكنة وعنده القوة على أن يكسر ما يعاديه من الكفار ويظهر عليهم وإلا سالمه و دعا للسلم).
لا شك أن مفهوم الولاء والبراء يعد ركيزة في الشعارات التي تطرحها جماعات التطرف وتحاول أن تستقطب الشباب المسلم المفعم بالحماسة الدينية نحوها من خلال تحوير مدلول النصوص الشرعية واستخدام سلاح التكفير والتشهير، وإعادة النظر في هذه الملفات بعد أن كانت قضايا عالقة غير قابلة للنقاش من شخصية اعتبارية متخصصة في هذا المجال سيكون له الأثر الكبير في إضعاف الشوكة العلمية لخطاب الإرهاب، ومثل هذه المراجعات بحاجة إلى الكثير من الحوار والتمحيص والتبني من قبل شخصيات أخرى بارزة في المشهد الإسلامي حتى لا تكون مجرد صوت تذروه رياح الغلو والتطرف.

يوسف الديني

السبت, 21 أغسطس 2010

لا شك أن فكرة المراجعات الفكرية ليست وليدة هذه المرحلة التي تعصف بالحالة الإسلامية خطاباً ومرجعيات ومتلقين، ففكرة إعادة النظر والاجتهاد والتأمل المتجدد في النصوص الشرعية والتراث الذي خلفته لنا المدارس العقائدية والفقهية الكبرى ليست بالأمر الجديد أو المثير لأنها جزء من الاجتهاد المطلوب شرعاً.
لكن اللافت في ما يسمى بمراجعات العنف والتطرف والتي تقدمها شخصيات بارزة مرت بتحولات فكرية ومراجعات لأفكارها حول مسائل متعلقة بالتطرف والعمل المسلح وقضايا عقائدية وفقهية ذات صبغة سياسية، مثل هذه المراجعات كانت ولا تزال محل ارتياب وأخذ ورد وجدل بسبب دوافعها ونتائجها وآثارها على المتلقين لاسيما أن كثيراً منها يبدو كالتراجع المعنوي أكثر من كونها تقدم قراءات جديدة يمكن أن يكون لها تأثيرها على واقع التطرف والغلو في خطاب جماعات الإرهاب والعنف المسلح.

نشرت في جريدة ” الوطن ” السعودية يوم الخميس 14 ذوالقعدة 1421 هـ ، قضية للمناقشة ، تحت عنوان ” الفلسفة وأقسام العقيدة في الجامعات السعودية ” ولأهمية هذا الموضوع على مستوى أهمية وجودالدرس الفلسفي في الجامعات ،أنشر نص المداخلات المطروحة في هذه القضية ، وذلك لكي نعرف وجهات نظر الاخوة المهتمين بمتابعة قضايا الفكر والفلسفة

يوسف الديني الباحث في الدراسات الإسلامية يروي تجربته في قراءة المنطق على مشايخه، وملمحا إلى أن الحاجة ماسة إلى فلسفة إسلامية لمجابهة أفكار لا تؤمن إلا بالعقل فيقول: حين شرعت في دراسة ( المنطق) على بعض الأشياخ الكرام حرصاً على فهم عبارات مستغلقة وجمل غامضة من كلام بعض أهل العلم في فنون عديدة مثل أصول الفقه وأصول التفسير ومصطلح الحديث وعلوم العربية خاصة البلاغة إذ غزاها (علم المنطق) وأغار عليها ، فاستحل لغتها ومصطلحاتها واستباح تراكيبها وصيغها فكانت أثراً بعد عين وتوقف فهم مباحثها على معرفة أقيسته وقيوده ، وكان أول ما طرق سمعي مما يتعلق به قول الأخضري في أول منظومته الشهيرة السلم المنورق إلى سماء علم المنطق : والخُلْفُ في جَوازِ الاشتغال ِ / به ِ على ثلاثة ٍ أقوال ِ فالنووي وابن الصلاح حرما / وقال قوم ينبغي أن يعلما والقولة المشهورة الصحيحة / جوازه ُ لكامل القريحة ممارس السنة والكتاب / ليهتدي به إلى الصواب ِ ما كان من شيخي الجليل سوى أن تجاوز هذه الأبيات الافتتاحية دون أن يتعرض لها مفترضاً أنها لا تعنيني من قريب أو بعيد وأني كامل القريحة ! مع أنها تختزل في مضامينها جذوراً لصراع طويل صاخب بين دعاة الرفض والقبول للمنطق الذي لبس أقنعة شتى علم الكلام .. الفلسفة /..علوم الأوائل .. الحكمة .. الخ مما زاد من غموضه واختلاف الأحكام على مسماه والمباحث التي يتناولها حين تلقف المعتزلة منطق أرسطو وفلسفته كموقف معارض للباطنية والمانوية لم يلتفتوا إلى الآفات التي تكمن في المنهج الأرسطي. بعد ذلك برزت محاولات غير مجدية من خصوم المعتزلة التقليديين في الثقافة الإسلامية على امتدادها وهم الأشاعرة لأسلمة المنطق الأرسطي والتفريق بين قوانينه العقلية المحضة وبين تطبيقاتها التي تعارض أصول الشريعة وما ثبت في الكتاب والسنة وللرد على المعتزلة بنفس طريقتهم ومنطقهم .لكن موقفاً مغايراً لما سبق كان يرفض المنطق الأرسطي جملة وتفصيلاً باعتباره دخيلاً على الثقافة الإسلامية وهم أهل الحديث – أهل السنة والجماعة – الذين اعتبروا تلك المحاولات التوفيقية التي قام بها علماء الكلام بين الدين والفلسفة اليونانية أساءت إلى علوم الشريعة فهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا وشاعت عبارات كثيرة جداً نقلتها أدبيات أهل السنة عن ندم بعض العلماء الذين اشتغلوا بالفلسفة وعلم الكلام كقول الجويني لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به. هذا الموقف الوقائي الصارم ضد الفلسفة وفروعها من أهل السنة كان موفقاً ومبرراً ولا شك في حينه ووقته حيث التبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر .كما قال ابن خلدون ولأن أربابها لم يقتصروا على المنطق باعتباره العلم بقوانين تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر بل جمعوا بين المنطق الرياضي والصوري ومباحث الإلهيات والطبيعات وتجرأت طوائف منهم على أدلة الشرع ونصوص الكتاب والسنة فادعوا أنها لا تفيد اليقين. لا شك أننا اليوم بحاجة إلى فلسفة إسلامية لها رجالاتها المتخصصون يستقون من تراثنا الفكري العقلي ما يجابهون به تلك الأفكار التي لا يؤمن أهلها إلا بالعقل وقديما ًسجل ابن تيمية موقفاً رائعاً حين عاب على بعض المنتسبين للسنة والحديث تفريطهم في الانتفاع من الأدلة العقلية لمحاجة الخصوم ويصفهم بالعجز حيث يقول: إن أحدهم يحتج بكل ما يجده من الأدلة السمعية وإن كان ضعيف المتن والدلالة ويدع ما هو أقوى وأبين من الأدلة العقلية إما لعدم علمه بها وإما لنفوره عنها وإما لغير ذلك.

خلال الشهر الماضي فقط رصدت عشرات المقالات التي تسعى بشكل صريح ومضمر تكميم كل الأصوات التي تحاول أن تدلي برأيها حول استخدام قضية علماء الشريعة كفزاعة للحيلولة دون استمرار أي نقاش موضوعي لمسائل تمس الحياة اليومية مما يدخل ضمن الاجتهاد في الواقع الذي لا يمكن لأحد أن يدعي فيه حسماً شرعياً معروف سلفاً بحيث لا يمكن تجاوزه .. هذه المقالات أخذت تنتقل من جانبها المعرفي إلى جوانب شخصية تحاول محاسبة حق الكاتب المطلق في أن يختلف مع أي من العلماء فينتقل الحديث حينها من المحتوى والمضمون ومدى تطابقه مع حق الاختلاف إلى شخص القائل ومقارنته بمن يحاوره . إقرأ المزيد .. »

خلال الشهر الماضي فقط رصدت عشرات المقالات التي تسعى بشكل صريح ومضمر تكميم كل الأصوات التي تحاول أن تدلي برأيها حول استخدام قضية علماء الشريعة كفزاعة للحيلولة دون استمرار  أي نقاش موضوعي لمسائل تمس الحياة اليومية مما يدخل ضمن الاجتهاد في الواقع الذي لا يمكن لأحد أن يدعي فيه حسماً شرعياً معروف سلفاً بحيث لا يمكن تجاوزه .. هذه المقالات أخذت تنتقل من جانبها المعرفي إلى جوانب شخصية تحاول محاسبة حق الكاتب المطلق في أن يختلف مع أي من العلماء فينتقل الحديث حينها من المحتوى والمضمون ومدى تطابقه مع حق الاختلاف إلى شخص القائل ومقارنته بمن يحاوره .
ثمة إشكالية يعاني منها خطابنا المحلي تتمثل عملقة دور العالم الشرعي ووضع السياج حول شخصه من خلال نقل القداسة من النص الشرعي إلى اجتهاد العالم وهو ولا شك مؤشر خطير جداً مقطوع الصلة حتى عن تراثنا الغني بالاختلاف على مستوى المذاهب والمدارس الفقهية بل على مستوى موقف مؤسسي المذاهب الكبرى الذين كان لديهم تمييز واضح وجلي بين الممارسة البشرية في فهم النص الديني وبين النصوص ذاتها وهو الأمر الذي نفتقده تماماً في كل المقالات المتشنجة التي حاورت ما كتبه الزملاء قينان الغامدي وحمزة المزيني ومحمد آل الشيخ في ظاهرة تدل على تردي مستوى التسامح والإيمان بقيمة الحوار كأداة للوصول إلى حقيقة مقاربة .
هناك خطاب أصولي مزدهر الآن تحول إلى إيديولوجية طاردة وقلقة ترفع سلاح اليقينية حتى في المسائل الاجتهادية وهو يعاني من مرض ” التقديس المزيف ”  وهو من أدواء الخطابات الشمولية ذات النزعة اليقينية التي لا تؤمن بالآخر إلا بقدر إيمانها بتفردها هي ونرجسيتها باعتبار أنها تحولت  مصدراً للتلقي والفهم بل والحكم سلباً أو إيجاباً على كل ما عدا طروحاتها وأفكارها ، فمحور الجدل كان يتمركز حول مشاركة الآخر في وسائل الإعلام الموجهة أو ذات الصبغة الأحادية ومدى علاقة ذلك بمقهوم الحوار والتعددية وبالتالي استتبع ذلك الموقف الايدلوجي من هذه المشاركة والذي لا يعني بالضرورة التأصيل الإسلامي في هذه القضية الهامة والمفصلية في طريقة تعامل كثير من التيارات الإسلامية مع الوافد إليها من التيارات والأفكار والمنجزات .
بعيداً عن الدخول في تفاصيل التجاذب بين المؤيدين والرافضين لتلك المشاركة القادمة من الأقاصي والتي كانت ردحاً من الزمن ” مشيطنة” في الخطاب الإسلامي باعتباره نقضاً لمبدأ ” التمايز ” الذي يعتبر المحرك الأكثر فاعلية في أدبيات الاغتراب وامتلاك الحقيقة والفرقة الناجية ، أقول : بعيداً عن قراءة ذلك الجدل بمنطقه المعرفي المحض نحن بحاجة إلى قراءة تحليلة لذات المفهوم وهو ” الآخر ” في مقابل ” الإنسان ” ” المشترك الإنساني ” أو بالتعبير التراثي ” أمتي الدعوة والإجابة ” وهذا على مستوى النظر إلى الآخر بغض النظر عن مضمون ما جاء به ، فكيف إذا استحضرنا أهم قواعد الإستيعاب في الإسلام التي جاءت بتعبير يهدم كل صروح النرجسية الفكرية التي تعد من أعظم الأدواء التي أصابت الخطاب الإسلامي بشكل عام بترهل وضمور شديدين : ” الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ” ، ولذا فنحن بحاجة إلى دراسات تأصيلية جادة تستلهم روح ” الاستيعاب ” في الإسلام من خلال قراءة نصوصه والممارسة العملية لذلك الاستعاب عبر تاريخه الطويل .
إذا عدنا إلى طبيعة طرح مثل موضوع  ”الآخر ” في خطابنا الإسلامي المحلي فإننا بإزاء معضلة حقيقية تكشف عن ” شوفينية ” حادة لا يمكن أن تعيش إلا في أجواء الصراع والخصومة والتعبئة الجماهيرية ضد ” الآخر ” متناسياً المشتركات الضخمة التي ينطوي عليها الإسلام في نصوصه المؤسسة وفي تمثل العديد من المدارس الدينية في تاريخنا الإسلامي .. هذا الخطاب الجديد متمايز حتى عن الخطاب التقليدي في نرجسيته وحساسيته الشديدة تجاه أي حوار حول مقولاته وفهمه لنصوص الشريعة وللتأكيد على مشكلة هذه النرجسية أزجي هنا بملاحظتين :
الأولى : أن كثيراً من هذه المطبوعات ووسائل الإعلام التي يتم اتهامها بالانحياز ضد اتجاه ما هي وسائل محايدة تأسست على مفهوم الانتساب إلى الإسلام في شموليته العامة التي لا تعني بالضرورة انحصاره في فكر مجموعة ما أو تيار معين ، والمماهاة بين الإسلام بأطياف المنتسبين له وبين الفكر الذي يعكس خيار مجموعات ايدلوجية تحاول احتكار حق الحديث باسمه جناية عظيمة تسعى إلى تقزيم الإسلام ذاته وحصره في نطاق فكري ضيق جداً مما يستتبع هامشاً من الفاعلية والعمل والبناء والتدافع بنفس الضيق الذي لم يتسع له منطق الايدلوجيات المنغلقة .
والملاحظة الثانية أن كثيراً من التصنيف للآخر باعتباره آخر قام على فروقات هلامية مزيفة ، فالجميع يدرك أن الواقع المحلي لم يعرف بعد استقطاباً ايدلوجياً بالمعنى الدقيق للكلمة كما عرفته البلدان العربية الأخرى التي دخلت في عراك طويل ومرير لا تزال آثاره المجتمعية جاثمة حتى الآن وهذا بخلاف واقعنا الذي لم يشهد مثل هذه الصراعات الحقيقية حول مرجعية الإسلام بقدر أنها خلافات حول دعاوى امتلاك فهمه وتفسيره والحديث باسمه ونبذ كل الطروحات الأخرى التي تحاول أن تعمل وفق مقاصده العامة والبنى الأساسية التي قام عليها بعيداً عن الإرث التاريخي الذي خلفه المجتهدون من علماء الإسلام والذي مهما كانت مكانته فهو باتفاق الجميع ليس دليلاً بذاته ولا محدداً منهجياً في الفهم والاستنباط وبالعبارة التراثية العذبة : الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال يعرفون بالحق ” ، ” وكم ترك الأول للآخر ” .

العديد من المقالات تكتب هنا وهناك  تسعى بشكل صريح ومضمر تكميم كل الأصوات التي تحاول أن تدلي برأيها حول استخدام قضية علماء الشريعة كفزاعة للحيلولة دون استمرار  أي نقاش موضوعي لمسائل تمس الحياة اليومية مما يدخل ضمن الاجتهاد في الواقع الذي لا يمكن لأحد أن يدعي فيه حسماً شرعياً معروف سلفاً بحيث لا يمكن تجاوزه .. هذه المقالات أخذت تنتقل من جانبها المعرفي إلى جوانب شخصية تحاول محاسبة حق الكاتب المطلق في أن يختلف مع أي من العلماء فينتقل الحديث حينها من المحتوى والمضمون ومدى تطابقه مع حق الاختلاف إلى شخص القائل ومقارنته بمن يحاوره .

ثمة إشكالية يعاني منها خطابنا المحلي تتمثل عملقة دور العالم الشرعي ووضع السياج حول شخصه من خلال نقل القداسة من النص الشرعي إلى اجتهاد العالم وهو ولا شك مؤشر خطير جداً مقطوع الصلة حتى عن تراثنا الغني بالاختلاف على مستوى المذاهب والمدارس الفقهية بل على مستوى موقف مؤسسي المذاهب الكبرى الذين كان لديهم تمييز واضح وجلي بين الممارسة البشرية في فهم النص الديني وبين النصوص ذاتها وهو الأمر الذي نفتقده تماماً في كل المقالات المتشنجة التي حاورت ما كتبه الزملاء قينان الغامدي وحمزة المزيني ومحمد آل الشيخ في ظاهرة تدل على تردي مستوى التسامح والإيمان بقيمة الحوار كأداة للوصول إلى حقيقة مقاربة . إقرأ المزيد .. »

إذا صح القول أنه يمكن تفهم تحسس النظام السوري من أي مبادرات أمريكية تجاه حل الأزمة اللبنانية يمكن فهمه في السياق التحالفي العام الذي أسسته سوريا مؤخراً منذ أن هبت رياح أهوائها السياسية باتجاه بلاد فارس وبعيداً عن السياق العربي الذي جرت سواقيه بمياه جديدة ؛ فإن ما لا يمكن فهمه على الأقل لمن يتأمل اللعبة السياسية في رتمها المتحرك البراغماتي هو الإصرار السوري على تعميق الفجوة مع المجتمع الدولي ودول الاعتدال العربي فيما يخص المسألة اللبنانية ، فالإشارات السلبية لا يزال إرسالها من دمشق وآخرها التجاذب الدبلوماسي مع فرنسا والذي بلغ مداه بتهديد الرئيس الفرنسي “المتحمس” ساركوزي باتخاذ عمل مناهض لسورية بسبب دورها المفترض في عرقلة انتخاب رئيس جديد في لبنان ، بل وأبدى استعداد بلاده لتمويل تكاليف تشكيل المحكمة الدولية التي تم انشاؤها تحت اشراف الامم المتحدة من اجل محاكمة اولئك المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ، وما تبع ذلك من سلسلة اغتيالات سياسية في لبنان .
هذا التبرم في المزاج السياسي الفرنسي جاء بعد اسابيع من جهود مكثفة من أجل أن تظفر فرنسا بنجاح مبادرتها للخروج من المأزق اللبناني الحالي حيث أرسلت ساركوزي عددا من كبار مستشاري الشؤون السياسية الخارجية الى دمشق دون جدوى تذكر.
في اعتقادي أن إشكالية “الثمن” السياسي هي حجر الزاوية في ممانعة النظام السوري وحلفاؤه في لبنان ومثل هذا الثمن يأتي عبر مفاوضات ودبلوماسية نشطة وليس من خلال تصريحات حادة ، وفي التفاصيل فإن انتخاب العماد ميشيل سليمان الرجل الذي تعرفه دمشق جيداً (تم تعيينه إبان الوصاية السورية) لا يشكل ثمناً يمكن التفاوض عليه من وجهة النظر السورية بل هناك روزنامة من الشروط الأساسية تبدأ الوعد بإصلاح قانون الانتخابات إضافة إلى الموافقة المسبقة على تركيبة الحكومة من خلال إعطاء ثلث المقاعد للمعارضة وصولاً إلى قائد الجيش الذي سيخلف سليمان وهي شروط ثقيلة من شأنها من وجهة نظر الموالاة وكثير من المحللين المعنيين بالشأن اللبناني أن تؤدي إلى “عملقة” حزب الله في الواقع السوري كقوة مهيمنة ومرعبة في آن واحد .
القمة العربية في مارس المقبل فرصة سوريا الكبرى لرأب تصدعها في التواصل مع دول الاعتدال والتاثير في المنطقة عبر إرسال إشارات واضحة ومطمئنة كبادرة جديدة بعد أن اعتاد الجميع على الإيغال في الخصومة للالتفاف على حالة “العزلة” العربية التي تعيشها دمشق لا سيما وأن بادرة كهذه مطلوبة الآن أكثر مما مضى في ظل التذمر الأوروبي من صلف الموقف السوري تجاه الحالة اللبنانية لا سيما وأن الأوروبيين ما زالوا الأكثر حضوراً في تنمية الاقتصادي السوري كما هي مطلوبة في ظل انشغال “إيران” القابل للازدياد بذاتها في ظل انقسام الداخل حول أداء الرئيس الإيراني .. ومن هنا فإن احتياج سوريا إلى إعادة الدفء لعلاقاتها بالأنظمة العربية والمجتمع الدولي أكثر مما تظنه سوريا احتياجاً دولياً لدورها الهام والمؤثر في لبنان .. الفراغ الذي يراد للبنان أن يعيش فيه ليس من مصلحة المنطقة حتى لو كان أداة لبقاء الحال ألم يقل بسام حجار الشاعر اللبناني الجميل ذات احتجاج : “لعبة الأثلاث مسليّة لممتهنيها. لكنّها غير مسليّة للناس” .

إذا صح القول أنه يمكن تفهم تحسس النظام السوري من أي مبادرات أمريكية تجاه حل الأزمة اللبنانية يمكن فهمه في السياق التحالفي العام الذي أسسته سوريا مؤخراً منذ أن هبت رياح أهوائها السياسية باتجاه بلاد فارس وبعيداً عن السياق العربي الذي جرت سواقيه بمياه جديدة ؛ فإن ما لا يمكن فهمه على الأقل لمن يتأمل اللعبة السياسية في رتمها المتحرك البراغماتي هو الإصرار السوري على تعميق الفجوة مع المجتمع الدولي ودول الاعتدال العربي فيما يخص المسألة اللبنانية ، فالإشارات السلبية لا يزال إرسالها من دمشق وآخرها التجاذب الدبلوماسي مع فرنسا والذي بلغ مداه بتهديد الرئيس الفرنسي “المتحمس” ساركوزي باتخاذ عمل مناهض لسورية بسبب دورها المفترض في عرقلة انتخاب رئيس جديد في لبنان ، بل وأبدى استعداد بلاده لتمويل تكاليف تشكيل المحكمة الدولية التي تم انشاؤها تحت اشراف الامم المتحدة من اجل محاكمة اولئك المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ، وما تبع ذلك من سلسلة اغتيالات سياسية في لبنان .

إقرأ المزيد .. »

إيران والاخوان المسلمين ،  دراسة في عوامل الالتقاء والافتراق
المؤلف : عباس خامه يار
عدد الصفحات : 286 الطبعة الأولى : 1997م
الناشر : مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق
يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت في بابه وأندرها ؛ حيث يبحث تلك العلاقة الشائكة والخفية بين جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وبين جمهورية إيران الإسلامية في مرحلة التأسيس للثورة الخمينية ما قبل انتصارها سنة 1979م والحقبة التاريخية التي تلتها ، الكتاب الذي ألفه الباحث الإيراني عباس خامه يار هو في الأصل عبارة عن أطروحة ماجستير قدمها في جامعة طهران .
الإشكالية في تلك العلاقة تبدأ ولا تنتهي من حيثيات متعددة لعل من أبرزها أن هوية جماعة الإخوان المسلمين هي هوية سنية على مستوى البنية العقائدية ومع ذلك فقد كانت تتمتع بعلاقة جيدة وحيوية مع أبرز المراجع الشيعية آنذاك على الأقل على مستوى المركز أي الجماعة الأم في مصر ، ولعل أبرز ما ساهم في إنجاح تلك العلاقة أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا كان أحد أهم الناشطين في لجان التقريب بين السنة والشيعة ، ولاحقاً جرت مياه الساقية بخلاف ما كان يخطط له وضعفت تلك العلاقة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بالرغم من أن الجماعة كانت من أكثر المؤيدين للثورة الخمينية ، والآن ثمة بوادر كثيرة لإعادة ذلك التقارب التاريخي إلى حيويته السابقة وذلك عبر بوابة ” حماس ” التي ترى في النظام الإيراني ” المخلص ” من مأزق الحصار السياسي والاقتصادي في ظل عدم رغبتها للتنازل عن ايدلوجيتها التي باتت تشكل عائقاً في نظر الحكومات الغربية وحجر عثرة أمام مفاوضات التطبيع والحل الشامل الذي بات قناعة العديد من الدول العربية .
يتكون الكتاب من فصول أربعة :
الأول : يتناول قضية الأصولية والصحوة الإسلامية في العصر الحديث ، بينما يتطرق في الفصل الثاني لشيء من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ، ويركز الفصل الثالث على أهم نقاط الفصل والوصل بين الجماعة وبين جمهورية إيران الإسلامية .
أهمية مصر لإيران
اللافت في الكتاب هو أن المؤلف حاول أن يجعل من تلك العلاقة الغريبة والتي لا تبدو منطقية في ظل الخلاف العقائدي علاقة طبيعية بل حتمية فأخذ يعقد المقارنات التاريخية والجغرافية والحضارية والثقافية بين إيران ، وبين مصر ، فمن وجهة نظره أن إيران كما هي مركز القوة في العالم الشيعي، فإن مصر هي مركز القوة في العالم السني ، لما يشكله كلا البلدين من ثقل سكاني وإرث حضاري وموقع جغرافي متميز، مما جعل المؤلف يستشهد بتصريحات العديد ممن تشيعوا من المصريين ومنهم شخص لقبه ” الشناوي ” تحدث عن أن انطلاق إيران كقوة عالمية لا تضاهى مرهون بمدى قبولها ونجاحها في التغلغل للداخل المصري .
نقاط الفصل والوصل
يحاول المؤلف بعد أن مهد لأوجه التشابه بين مكانة وثقل وتاريخ كل من مصر وإيران أن يؤسس لأوجه التقاطع بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الثورة الخمينية  والتي تجعلهما يشتركان في كثير من القضايا ، وأبرز نقاط الالتقاء تكمن في : الإيمان بالفكرة الوحدوية ، الموقف المشترك من أغلب القضايا القومية ، الموقف المتطابق من القضية الفلسطينية ، ففي إطار الفكر الوحدي فإن الإخوان لا يحملون موقفاً مضاداً للتشيع كالحركات السلفية وفي هذا السياق يستشهد المؤلف بأقوال العديد من قادة الإخوان وعلى رأسهم المؤسس حسن البنا مفادها التسامح مع التشيع واعتبار أنه من الخلاف في الفروع وهو التسامح ذاته الذي يحاول أن يفتش عنه المؤلف بعناء في الضفة الشيعية مستشهداً ببعض تصريحات الخميني أو مواقفه كتقديم المساعدة والدعم لبعض الهيئات السنة أو تغيير بعض المناهج الدراسية الخاصة بأهل السنة ..الخ وكان حديث المؤلف عن هذه الجهود أشبه باستغفال القارئ منه إلى قول الحقيقة بشكل موضوعي .
نقد القومية هو أيضاً عامل مشترك بين الإخوان وإيران من وجهة نظر المؤلف ؛ فهي سبب سقوط الخلافة الإسلامية وضياع فلسطين وأيضاً هي من دعمت نظام الشاهنشاه كما مهدت الطريق للأفكار الغربية لتتخذ طريقها إلى الجسد الإسلامي كالاشتراكية الملحدة ، لكن المؤلف يعود فينتقد سلبية الإخوان تجاه نظام صدام حسين في حربه على إيران وفي نفس الوقت ينتقد الإخوان الاعتزاز القومي لدى إيران بفارسيتها وهو الأمر الذي يحاول المؤلف الدفاع عنه بضراوة مستشهداً بأن الثورة الإسلامية بذلت الكثير لكي تحسن صورة العرب والمسلمين في مقابل محاربتها لكافة أشكال التعصب للقومية الفارسية .
ولعل أكثر ما أفاض فيه المؤلف في بيان نقاط الالتقاء بين الإخوان وإيران هو الموقف شبه المتطابق بينهما في القضية الفلسطينية لكنه تجاهل الدعم الإيراني للحركات الشيعية في سوريا ولبنان ، فحركة أمل التي قامت بمجازر دامية بحق الفلسطينين في كارثة المخيمات عام 85م كانت مدعومة بشكل مطلق من النظام الإيراني ، هذا إضافة إلى كل ما يقال عن العلاقة السرية بين إيران وإسرائيل فيما عرف بـمرحلة ” إيران غيت”  إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980ـ 1988م)
نقاط الافتراق
في هذا المبحث من الكتاب يتحدث المؤلف باستفاضة عن نقاط الاختلاف بين الإخوان وإيران سواء على مستوى الخلاف العقائدي والفكري أو حتى السياسي ، فعقيدة “الإمامة” الشيعية ونظرتها إلى شكل الحكومة أمر لا يمكن المساس به من قبل النظام الإيراني ؛ ومن هنا لا يمكن اختراق دولة المهدي المنتظر من قبل أي تنظيم أو جماعة مهما كانت أهدافها نبيلة أو ذات طابع إسلامي ، ومن هنا أخذ المؤلف يستشهد بالعديد من النصوص لقيادات الإخوان حول شرعنة القبول بالوضع القائم كما هو دون أي نزعات ثورية لتغييره فالإخوان من وجهة نظره لا يختلفون عن باقي الحركات السنية في التصالح مع الحاكم الجائر خوف الفتنة .
من جهة ثانية تحدث المؤلف في بيان أوجه الافتراق بين الجماعة وإيران هو الموقف من المعسكر الشرقي والغربي أو بشكل أكثر تحديداً من الرأسمالية والشيوعية ؛ فالإخوان يعتبرون “الشيوعية” أكثر خطراً من “الرأسمالية” لذا كانت أقرب إلى الولايات المتحدة وبريطانيا منها إلى الإتحاد السوفيتي وذلك لأن الماركسية كفكرة هي فكرة إلحادية بالأساس من وجهة نظر الجماعة إضافة إلى أن التاريخ الدموي والقاسي بالنسبة للإخوان كان مسطراً بأنامل اشتراكية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر الحليف الأكبر للاتحاد السوفيتي آنذاك وهو الأمر الذي حصل لكل من إخوان العراق وسوريا ، كما رسخ هذا الاعتقاد من قبل الإخوان اعتقادهم أن هزيمة عام 1967م كانت نتيجة لخيانة ومؤامرة الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي وتعاونهم مع إسرائيل ، وزاد الطين بلة الاحتلال السوفيتي لدولة أفغانستان المسلمة .
لكن نظرة الإخوان إلى المعسكر الغربي كانت أقل حدة فالتركيز دائماً على الجوانب الأخلاقية والثقافية دون العقائدية فالغرب المسيحي على الأقل من أهل الكتاب وليس ملحداً لكن هذا الموقف تبدل لاحقاً من وجهة نظر المؤلف بعد سقوط الشيوعية حيث أصبحت أمريكا الآن هي الخطر الأول في العالم ويستشهد المؤلف في هذا السياق بالتعاون والتحالف الآن بين الإخوان وبين جماعات وأحزاب يسارية إضافة إلى الإشادة بأنظمة ذات طابع يساري كفنزويلا .
في الجانب الإيراني يرى المؤلف أن نظرة الخميني للشيوعية والرأسمالية كانت مختلفة فالإيرانيون يعتبرون أن خطورة المعسكر الغربي أكبر بمراحل من الخطر الشيوعي ويعلل ذلك بوقوع إيران سابقاً تحت سيطرة الاستعمار الغربي من خلال الدعم اللامحدود من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا لنظام الشاه في قمعه للحركات الشيعية الإيرانية بل ذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك حيث رأى أن الخميني كان يقدم الأعذار تلو الأعذار للمعسكر الشرقي حتى إنه اعتبر أن مواقف الأحزاب الشيوعية في إيران هو دعم للمعسكر الغربي والمصالح الولايات المتحدة وأن ارتباطهم بالإتحاد السوفيتي هو ارتباط وهمي وظاهري فقط !
الاختلاف الإصلاحي
وفي هذا المبحث يرى المؤلف أن أهم أسباب الإخلاف بين الإخوان ورؤية الحركة الإسلامية الإيرانية هو الاختلاف في الإصلاح وطريقة التغيير بين الثورية الإيرانية وبين المحافظة الإخوانية ؛ فالإخوان من وجهة نظره لم يكونوا يوماً ما حركة انقلابية بل قامت حركتهم على أساس التغيير التربوي من خلال تحويل السلوكيات غير الإسلامية لأفراد المجتمع وهي ما بات يعرف لاحقاً بأساليب العمل السلمي ، أما الحركة الإسلامية الإيرانية فإنها لم تزل تسخر من ذلك الأسلوب الإصلاحي الذي لم يقدم شيئاً يذكر بعد قرابة القرن على انطلاقه وهنا يورد المؤلف تساؤله على لسان الذهنية الإيرانية أليس ذلك ثمناً باهضاً أن يمضي كل هذا الوقت الطويل على حركة الإخوان دون أن تغير الحكومات وتكتفي بخلق قاعدة جماهيرية عريضة .
الاختلاف على المكاسب السياسية
وفي هذا المبحث يتحدث المؤلف باستفاضة عن أبرز نقاط الاختلاف في شقها السياسي فهو يرى أن الإخوان غير راضين عن الفترة الذهبية التي عاشها الشيعة بعد نجاح الثورة الذي أعطاهم دفعة معنوية وتطلعات تفوق حجم مواقعهم وتمثيلاتهم داخل البلدان السنية ، كما ينتقد الإخوان بضراوة موجات التبشير الشيعي في أوساط المجتمعات السنية ، وفي ذات السياق تنتقد الجماعة الصراعات الداخلية في إيران وكل ما تتعرض له الأقلية السنية هناك ويرى المؤلف هنا أن الإخوان تأثروا بالدعاية السنية للإعلام الحكومي العربي الموجه ضد إيران وبسيل الإصدارات والكتب السنية التي تهاجم الشيعة لكنه يعود فيراهن ثانية على العلاقة التاريخية التي يمكن أن يعود أوراها عبر ما ستقدمه الأوضاع المأزومة في العالم الإسلامي والذي يمكن أن تستغله إيران لصالحها وعبر شعارات معادية للغرب وللولايات المتحدة .

المؤلف : عباس خامه يار

عدد الصفحات : 286 الطبعة الأولى : 1997م

الناشر : مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق

يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت في بابه وأندرها ؛ حيث يبحث تلك العلاقة الشائكة والخفية بين جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وبين جمهورية إيران الإسلامية في مرحلة التأسيس للثورة الخمينية ما قبل انتصارها سنة 1979م والحقبة التاريخية التي تلتها ، الكتاب الذي ألفه الباحث الإيراني عباس خامه يار هو في الأصل عبارة عن أطروحة ماجستير قدمها في جامعة طهران .

الإشكالية في تلك العلاقة تبدأ ولا تنتهي من حيثيات متعددة لعل من أبرزها أن هوية جماعة الإخوان المسلمين هي هوية سنية على مستوى البنية العقائدية ومع ذلك فقد كانت تتمتع بعلاقة جيدة وحيوية مع أبرز المراجع الشيعية آنذاك على الأقل على مستوى المركز أي الجماعة الأم في مصر ، ولعل أبرز ما ساهم في إنجاح تلك العلاقة أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا كان أحد أهم الناشطين في لجان التقريب بين السنة والشيعة ، ولاحقاً جرت مياه الساقية بخلاف ما كان يخطط له وضعفت تلك العلاقة بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بالرغم من أن الجماعة كانت من أكثر المؤيدين للثورة الخمينية ، والآن ثمة بوادر كثيرة لإعادة ذلك التقارب التاريخي إلى حيويته السابقة وذلك عبر بوابة ” حماس ” التي ترى في النظام الإيراني ” المخلص ” من مأزق الحصار السياسي والاقتصادي في ظل عدم رغبتها للتنازل عن ايدلوجيتها التي باتت تشكل عائقاً في نظر الحكومات الغربية وحجر عثرة أمام مفاوضات التطبيع والحل الشامل الذي بات قناعة العديد من الدول العربية .

إقرأ المزيد .. »

أتذكر جيداً أواخر التسعينيات أول مرة وقعت فيها عيني على نسخة مصورة من كتاب “بنية العقل العربي” حيث كان ممنوع التداول في المكتبات وفي نفس الوقت ذائع الصيت بين أوساط الشباب المتحولين من التيارات الإسلاموية على اختلاف تنويعاتها الذي اعتبر آنذاك انقلاباً ثورياً في طريقة قراءة التراث بأدوات ومداخل منهجية ومصطلحات كانت غريبة ونافرة لمن اعتاد قراءة التراث بانتقائية احتجاجية لترصيع الايدلوجية السائدة آنذاك؛ كان الجابري يومذاك شغلنا الشاغل نتنقل من قراءته لابن خلدون إلى ابن رشد وصولاً إلى المدارس الكلامية الكبرى التي لم يتعامل معها على طريقة الإقصاء والنفي بحسب الضفة التي تقف عليها أقدامنا؛ قدر أنه حاول تفكيك بناها الداخلية متتبعاً مقولاتها الرئيسية ضمن المسار التاريخي الذي نشأت فيها ومن خلال السياقات المحددة لها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. إقرأ المزيد .. »

استناداً إلى الإحصاءات عن اتجاهات استخدام الإنترنت في العالم العربي والتي تبذلها بسهولة ودقة فائقة مواقع فحص محتوى وحجم نقل البيانات على الإنترنت مثل “alexa“ يمكن القول أن المجال السياسي هو أضعف المجالات تأثراً بالتصاعد المتنامي لمستخدمي الشبكة في تلك البلدان ؛ هذه النتيجة تبدو صائبة إذا تحدثنا عن السياسة كإطار منهجي يعنى بالمحتوى المباشر والذي عادة ما يضم مواقع المعارضة والخطابات المضادة لخطاب الدولة المركزية وذلك لا يعود فقط إلى سيطرة وفلترة العديد من دول المنطقة على خزانات البيانات الرقمية المتدفقة على الجمهور بقدر أن ضعف المحتوى الجاد وتمركز الشريحة الأعرض من مستخدمي الإنترنت وهم من فئة الشباب على المحتوى الترفيهي (Entertainment) والشبكات الإجتماعية ذات الصبغة التواصلية (social community) .

لكن من وجهة نظر أخرى لا تقل صوابية فإن السياسة على الإنترنت تتخذ أشكالاً مستترة شأنها شأن الفعاليات العامة في الواقع حيث يمتزج الديني بالسياسي ويتماس الإجتماعي بهما بشكل وثيق بفعل مكانة الحريات السياسية وغياب الأحزاب أو ضعفها الشديد والذي صير بدوره عدداً من مناشط الحياة العامة ذات صبغة سياسية شديدة .
الإنترنت المسيس سمة عربية قابلة للازدياد بفعل تصاعد عدد مستخدمي الشبكة يوماً بعد يوم (يمثل مستخدموا الإنترنت في العالم العربي 15٪ من عدد السكان كما أن 60% منهم في الخليج وتتقدم مصر بما يزيد عن خمسة ملايين مستخدم) ما يعني تطور الخطاب السياسي في شكله العلني أو المضمر عبر وجود فئات تعمل خارج أطر البيروقراطية والسياسة وبالتالي لن يخضع الإنترنت السياسي للقواعد الكلاسيكية للعلاقات الطبيعية بين القوى السياسية المبني على التعددية ومن هنا يتضخم دور الإنترنت السياسي على حساب السياسة في الواقع ليتحول لأداة سيطرة على نحو غير مسبوق ومن هنا يترشح دخول الشركات المسيطرة على الإنترنت في علاقة تفاوضية مع الدول للحفاظ على سيادتها من جهة بالقدر الذي لا يشكل تهديداً لأرباحها . إقرأ المزيد .. »

© 2010 يوسف الديني Suffusion WordPress theme by Sayontan Sinha